كلمة المدير العام

عرفت المجتمعات الفساد منذ القدم، و تعدَّدت أنماطه و تنوّعت أشكاله في عصرنا الحالي بفعل التطور الاجتماعي و الاقتصادي للأمم.

و في القرآن الكريم العديد من الآيات التي تنهى عن الفساد في الأرض، منها قوله تعالى: بِسْمِ الله الرَحْمَن الرَحِيم: "و إذَا توَلَّى سَعَى فِي الأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَ يُهْلِكَ الحَرْثَ وَ النَّسْلَ وَ اللَّهُ لَا يُحِبُّ الفَسَادَ". الآية 205 من سورة البقرة.

و تقف الدول اليوم حائِرةً أمام هذه الظاهرة التي اتسعت مجالاتها بسبب اختلال القيم و ضُعف الوازِع الدِّيني، و الرَّغبة في الكسب السريع، و كذا سهولة تداول الأموال بفضل التطور التكنولوجي و تزايد التعقيدات الإدارية في جميع المستويات.

و تعدّ الرّشوة من أهم مظاهر الفساد التي تعيق التّطور الاقتصادي و الاجتماعي و تعمّق عدم المساواة و ترهن مستقبل الأجيال.

و لقد لعبت العولمة و ما انجرَّ عنها من سهولة الاتِّصال بين جميع دول العالم و حرّية المبادلات التجارية و انفتاح السوق في تغيير سلوك الأفراد و ميلهم إلى الكسب السّهل باللّجوء أحيانا إلى أساليب غير مشروعة بعيدة عن مقومات المجتمع الجزائري و سلوكه الحضاري حتى كادت تصير ممارسةً مقبولةً، لذلك كان لا بدَّ من وضعِ آليات تشريعيَّة و تنظيميَّة و وقائية و قمعية منها للحدِّ من هذه الظَّاهرة المدمِّرة.

و بعد أن كان يُعتَقد فيما مضى أن مكافحة الفساد شأن يخص كل حكومة بمفردها، أصبح من المتفق عليه الآن أنه ظاهرة تهدد كل الدول على السواء، و هو ما تنبَّه له المجتمع الدُّولي من خلال السعي لوضع استراتيجيات و إبرام اتِّفاقيات، و سنّ القوانين لمواجهة هذا الخطر.

و قد توجت هذه المساعي باعتماد الجمعية العامة للأمم المتحدة اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الجريمة المنظمة عبر الوطنية المصادق عليها من الجمعية العامة للأمم المتحدة بتاريخ 15 نوفمبر 2000 و التي صنفت الفساد و أدرجته ضمن الجرائم المنظمة وكذا إتفاقية مكافحة الفساد بتاريخ 31/10/2003، و التي تولي أهمية خاصة للتعاون الدولي و دوره في مكافحة الفساد من خلال تسهيل تبادل المعلومات و التعاون القضائي و تسليم المجرمين و استرداد الأموال.

و لم تبق الجزائر بدورها بعيدةً عن هذه التطوّرات بعد مصادقتها على اتّفاقيتي الأمم المتّحدة السالفة الذّكر، فقد سنَّت عدة نصوص قانونية للوقاية و مكافحة ظاهرة الفساد أهمها: القانون رقم 06-01 المؤرخ في 20 فيفري 2006 و المتعلق بالوقاية من الفساد و مكافحته، و القانون 05–01 المؤرخ في 06 فيفري 2005 و المتعلق بالوقاية من تبييض الأموال وتمويل الإرهاب و مكافحتهما، و الأمر 03– 01 المتعلق بحركة رؤوس الأموال، و الأمر 03–11 المتعلق بالنقد والقرض، و الأمر رقم 07-01 المؤرخ في الأول من شهر مارس 2007 و المتعلق بحالات التنافي و الالتزامات الخاصة ببعض المناصب و الوظائف، و كذا المرسوم الرئاسي رقم 06-414 المؤرخ في 22 نوفمبر 2006 و الذي يحدد نموذج التصريح بالممتلكات.

و إلى جانب الهيئات التقليدية في مجال الوقاية من الفساد و محاربته كمجلس المحاسبة، و المفتّشية العامة للمالية و غيرها، أنشئت آليات جديدة أهمها: خلية الاستعلام المالي، و هي خلية مستقلة توضع لدى الوزير المكلف بالمالية لمعالجة الاستعلام المالي، من بين مهامها استلام و معالجة تصريحات الاشتباه المتعلقة بكل عمليات تمويل الإرهاب أو تبييض الأموال و اقتراح نصوص تشريعية أو تنظيمية تخص مكافحة تمويل الإرهاب و تبييض الأموال، و وضع الإجراءات الضرورية للوقاية.

كما أنشئت الهيئة الوطنية للوقاية من الفساد ومكافحته كهيئة وطنية مستقلة توضع لدى رئيس الجمهورية، قصد تنفيذ الإستراتيجية الوطنية في مجال مكافحة الفساد، من أهم مهامها اقتراح سياسة شاملة للوقاية، و تقديم توجيهات لكل شخص أو هيئة عمومية أو خاصة و اقتراح تدابير خاصة ذات طابع تشريعي أو تنظيمي للوقاية من الفساد، كما تقوم بإعداد برامج تسمح بتوعية و تحسيس المواطنين بالآثار الضارة الناجمة عن الفساد،و تلقي التصريحات بالممتلكات الخاصة بالموظفين العموميين و استغلال المعلومات الواردة فيها،...

و في نفس السِّيَاق، تم إنشاء الديوان المركزي لقمع الفساد بموجب الأمر رقم 10-05 المؤرخ في 26 أوت 2010، المتمم للقانون رقم 06-01 المتعلق بالوقاية من الفساد و مكافحته، و قد حددت تشكيلته و تنظيمه و كيفيات سيره بموجب المرسوم الرئاسي رقم 11-426 المؤرخ في 08 ديسمبر 2011.

و يعتبر الديوان مصلحة مركزية عملياتية للشرطة القضائية موضوع لدى وزير العدل حافظ الأختام، و تتمثل مهامه في البحث والتحري والتحقيق ومعاينة الجرائم المتعلقة بالفساد، كما يتولَّى دراسة كل الملفات والمعلومات الواردة من السلطات والهيئات الرسمية و استغلال كل معلومة مرتبطة بالفساد ترد من المواطنين علي الخط الأخضر رقم 1022، أو الموقع الالكتروني: www.ocrc.gov.dz الذين وضعا تحت تصرفهم.

و يسهر الديوان المركزي لقمع الفساد في هذا الإطار علي تطوير التعاون و التساند مع هيئات مكافحة الفساد و تبادل المعلومات بمناسبة التحقيقات الجارية.

إن مكافحة ظاهرة الفساد لا يمكن حصرها في آليات ردعية فقط، بل هي مسألة تهم المجتمع المدني ككل، من خلال نشر الوعي وترسيخ ثقافة الشفافية في تسيير الشؤون العامة، و تفعيل دور وسائل الإعلام في إبراز الصورة السيئة للفساد و انعكاساته الخطيرة على المجتمع، بل و حتى على كيانه و استقراره، أي أن المسألة تتعلق بسلوك حضاري للأفراد ينبغي غرسه في النفوس لنبذ مثل هذه الانحرافات.

غير أن الركون إلى زاوية مشاركة المجتمع المدني في الوقاية من الفساد لا يمكن أن يحجب دور الدولة في الحد من هذه الظاهرة من خلال بسط و فرض أساليب عصرية و شفافة في تعامل الإدارة مع المتعاملين و المواطنين، و وضع آليات فعَّالة تضمَن الشّفافية في مجال الصّفقات العُموميّة و المعاملات التجارية الدّولية و الوُلوج إلى عالم الاستثمار بوجه عام.

وفي الختام أتمنى أن تشكل هذه الواجهة الالكترونية قَنـاةً فعَّالةً للاتصال بين الديوان المركزي لقمع الفساد والمؤسسات والمواطنين الذين يعتمد عليهم على الخصوص في الكشف عن وقائع الفساد للمساهمة في كبح جِماح هذه الظاهرة التي أصبحت تنخر كيان المجتمع الجزائري، و تثبط العزائم و تفشل الهمم و تنزع الثقة بين الإدارة و المواطن.

وفقنا الله لما فيه الخير للبلاد و العباد، و السلام عليكم و رحمة الله.

 

contact-ar