منهجية مكافحة الفساد في الجزائر

موضوع من إعداد السيد عبدالرزاق عزاب مفتش عام للمالية - مدير دراسات لدى الديوان المركزي لقمع الفساد

1.مفهوم الفساد

لقد تعدّدت و تشعّبت الدراسات و الآراء التي حاولت حصر مفهوم الفساد من دون أن ترسي على تعريف موحّد و محدّد، فغلبت عليه في الكثير من الأحيان مفاهيم شعبوية نشرها الإعلام و تبنّاها العقل الجماعي، من دون أن يتمّ الإتّفاق على عمل بحد ذاته باستثناء الرشوة.

فالكلّ يتكلّم عن الفساد، والكل يرمي من يشاء بشبه الفساد، حتى أصبح الفساد مفهوما فضفاضاً أجوفا، يعني الكثير من الأشياء و لا يعني شيئا.

و هنا تكمنُ معضلة الفساد كآفة اجتماعية قبل أن تكون مشكلة اقتصادية أو مسألة قانونية، حيث إلتبست الأمور لدى العامة من الناس، حتى أنّ بعضهم فقدَ الأمل في محاربته في ظل عدم إدراك معالمه، بل أنّ هناك من يشكُّ حتى في وجوده.

فالكل فاسدون لكن لا أحد بعينه ثبت عليه الفساد.

إني أفتح عيني حين أفتحها على كثير و لكن لا أرى أحدا.

و الحقيقة أنّ الفساد في مجتمعنا العربي و الإسلامي عموماً و الجزائري بالخصوص، يثير الكثير من الحساسية و الحماس ، فبين متّهِم و متّهَم و بين غني و فقير و بين مسؤول و مُنفّذ، يكون الإحساس بالقهر و الظلم، في الكثير من الأحيان، محرّكا و مربكا أو مفجرا للغضب، ممّا يحجبُ العقل و التفكير السليم المبني على التحري و التحقيق و الاحتكام إلى البيّنة.

فرغم شيوع مصطلح الفساد و كثرة استخدامه من طرف الجميع، إلاّ أنّه لم يرقَ بعدُ إلى درجة التّهم الواضحة بمفهومها القانوني الدقيق.

و ما زاد في تعقيد الأمور هو كون الفساد ظاهرة أو آفة لا تفتأ تتغيّر و تتحوّل و تتطوّر باستمرار، يتمتّع أصحابها بمهارة أكيدة تسمح لهم بالتّأقلم مع الإجراءات و القوانين قصدَ الالتفاف عليها و استخدام التكنولوجيات الحديثة المتطورة، و هم في ذلك يعتمدون على ممارسات خفية تجعل من عملية الكشف عليها صعبة.

و لعل أفضل تعريف و أقربه للواقع المُعاش هو ذلك الذي نستخلصه من الاتفاقيات الدولية و الذي يشير إلى أن الفساد هو: "القيام بعمل يمثل أداء غير سليم للواجب أو استغلال لموقع أو سلطة، و بالتّالي لا بدّ أن يرتبط الفساد بأداء عمل فيه انحراف عن أداء الواجب، بهدف الحصول على مقابل غير مشروع سواءً تم دفع مقابل مادي له أو تم الوعد بالدفع".

إنَّ صُعوبة مكافحة الفساد تكمنُ أساساً في ذلك التواطؤ الخفي الذي يمنحهُ الموظف لشخص أو أشخاص من أجل: السماح أو تسهيل أو التغطية أو التغاضي عن عمل من أعمال الفساد، لقاءَ ما يستفيده من مقابل يتمثّلُ في منفعة عاجلة أم آجلة.

و مِن أشهر و أأمن هذه الممارسات تتمثّلُ في طلب خدمة شخص مُحترف يشغل وظيفة يتمتّع بموجبها بسلطة قرار، من أجل حمله، مقابل مكافأة آنية أو آجلة، على عمل أو الامتناع عن عمل يدخل في صميم واجباته المهنية.

إنّ خطورة هذا التواطؤ لا ينحصر في حدوث ذلك العمل غير القانوني أو المجرَّم فقط، و الذي في كثير من الأحيان يُنتج ضرراً مادياً واضحاً بالمصلحة الخاصة أو العامة، و لكن خطورته تتمثل أساسا في كونه يساهم بصفة كبيرة في إضعاف الهيئة التي يُمثلها ذلك الموظف (خصوصا إذا كانت إدارة أو مؤسسة عمومية) من الداخل، مما يجعلها عُرضة لجميع أنواع التدخلات الخارجية، المُنافية لحياد الإدارة و سيادة القانون و المساواة بين المواطنين و يكون مآلها على المستوى البعيد إضعاف دولة القانون و تراجع المواطنة و الحسّ المدني، كنتيجة حتمية لذلك.

إذن فالموظف غير المؤتمن يقوم بالمتاجرة بسلطة القرار التي يحوزها بمناسبة الوظيفة التي يتقلّدها، من أجل الحُصول على مزايا و هدايا أو منح، و من ثمّة فإنّ هدفه الأول هو بيع قرار غير قانوني يقوم بإصداره عن علم بمقابل منفعة في سوق رائجة هي سوق الفساد.

قال الله تعالى: " و لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل و تُدلوا بها إلى الحكّام لتأكلوا فريقا من أموال الناس بالإثم و أنتم تعلمون" سورة البقرة الآية 188.

فالله عز و جل نهانا و حذرنا من الإدلاء بالأموال أي منحها إلى الحكام أي إلى كل من له سلطة الحكم أي القرار. و التي يكون الهدف منها الاستيلاء على أموال الناس بالإثم أي بدون وجه حق. مع وجود عنصر العلم أو كما تعارف عليه رجال القانون، الركن المعنوي للجريمة ألا و هو العلم و النية.

و بعد هذه المقدمة التي أردنا من خلالها إعطاء لمحة حول الزاوية التي اخترناها لمعالجة موضوع معقَّد و متشعِّب، نحاول من خلال ما يلي اقتراح و شرح المنهجية التي تتم بها مكافحة الفساد في إطار المنظومة القانونية الجزائرية.

2. منهجية مكافحة الفساد التدقيق و الوقاية (تسيير الأخطار) " gestion des risques "

و هي المهمة التي أوكلت إلى الهيئة الوطنية للوقاية من الفساد و مكافحته (ONLPC).

فبالإضافة إلى برامج التوعية و التحسيس و كذا التكوين التي اضطلعت بها الهيئة، و الموجهة إلى كافة الإطارات و المسؤولين على مستوى مختلف الهيئات الإدارية و المنتخبة، فإنها تضطلع أيضا باقتراح سياسة شاملة للوقاية من الفساد، و كذا جمع و مَركزة و استغلال كل المعلومات التي يُمكن أن تساهم في الكشف عن أعمال الفساد و الوقاية منها، لا سيما البحث في التشريع و التنظيم و الإجراءات و الممارسات الإدارية قصد تحديد العوامل المُساعدة على الفساد لأجل تقديم توصيات لإزالتها.

كما تقوم بتقييم دوري للأدوات القانونية والإجرائية الرامية إلى الوقاية من الفساد و مكافحته، و للنظر في مدى فعاليتها.

فالهيئة مُكلفة بالكشف عن المخاطر الكامنة في التنظيمات و مختلف الإجراءات و الممارسات السارية قصد اقتراح تغييرها أو استبدالها بأخرى تكون أكثر نَجاعة و أقل مُخاطرة.

و في هذا الشأن قام السيد الوزير الأول بإصدار تعليمة في شهر نوفمبر 2014، قد تمثلُ تطورا مهما و نوعيا في مجال مكافحة الفساد، موجهة للسيدات و السادة أعضاء الحكومة، و التي مفادها جعل من المفتش العام لمصالح كل دائرة وزارية، النقطة المحورية و الإطار التنظيمي للتكفل بالأعمال المرتبطة بالوقاية من الفساد و مكافحته و متابعته على المستوى القطاعي.

إذن أصبح للهيئة الوطنية لمكافحة الفساد امتدادات على مستوى الوزارات بما يكفلُ لها القيام بمهامها على أكمل وجه، خاصة في ما يتعلق بجمع و تركيز التصريح بالممتلكات.

و في نفس السياق فإنّ هناك مرسوم تنفيذي قيد الإصدار في هذا الصدد مما سيعطي لمهمة التكوين و المتابعة و الوقاية من الفساد إطار تنظيمي جديد لدى كل وزارة.

3. الكشف "la détection"

هذه المهمة قد تُوكل إلى كافة الهيئات الرقابية البعدية خصوصا منها:

- مجلس المحاسبة،

- المفتشية العامة للمالية،

- المفتشيات التابعة للمصالح الوزارية المختلفة.

و في هذا الإطار، نودُّ أن أشير إلى أن برنامج الحكومة قد اعتبر المفتشية العامة للمالية كهيئة تقوم بمكافحة الفساد.

إلا أنَّ تدخلها في مجال مكافحة الفساد و الكشف عنه هو تدخل عَرضي، حتى و إن سمح في العديد من المرات بالكشف عن أعمال فساد، و لكنه لا يدخل في إطار المهام الرقابية التي أوكلت لها بموجب قانونها العضوي، حيث أنها تقوم بالبحث و التحقيق و التدقيق و المراقبة و التقييم لأعمال التسيير، مما يمكّنها في الكثير من الأحيان من الكشف عن الأخطاء و التجاوزات و الأعمال غير القانونية التي قد يتورّط فيها المسيرون، و التي قد تكشف في بعض الأحيان عن أعمال مجرّمة قد تقع تحت طائلة أحكام القانون 06-01.

و مع إنشاء الديوان المركزي لقمع الفساد (OCRC)، فإن محاربة و قمع الفساد قد أصبح له عنوان، مثلما للوقاية منه عنوان، و للرقابة الإدارية أيضا عنوان أو عناوين، حيث أُوكلت له مهمة البحث و التحري و التحقيق في أفعال الفساد حصرا دون سواها.

و في هذا الإطار، وجبَ التأكيد على أنّ عملية الكشف عن أعمال الفساد هي مرحلة تكتسي أهمية بالغة في عملية مكافحة الفساد، لأنه من خلالها يتم تحديد العمل المجرَّم الواقع تحت طائلة القانون 06-01، و من ثمّة تحديد الفاعل أو الفاعلين، و الكشف عن الوسائل و الطرق المُستعملة و تحديد الضّرر الناجم، مع محاولة تحديد العائدات الإجرامية أو الأموال التي تم تبييضها.

4. العقوبة "la sanction"

إنّ نجاح إستراتيجية مكافحة الفساد لا يتوقف على عدد الإجراءات الجديدة المستحدثة و لا حتى على تكثيف الرقابة، و إنما يكمن أساسا في وضع حدود تجعل من يتعدّاها عُرضة لعقوبات أكيدة و صارمة.

حقيقة فإنّ الوقاية عن طريق التّحسيس و التكوين و إضفاء المزيد من الشفافية على الشأن العام و استحداث إجراءات و تنظيمات جديدة و حتى الكشف بحدِّ ذاته عن أعمال الفساد يؤدي إلى ثني أكثر الناس عن الخوض في المال العام، و لكن ليس كل الأشخاص يَعون و لا كلهم يتورّعون.

فأعمال الفساد تتكاثر بسرعة في ظل ثقافة اللاعقاب التي تُصاحب عملية الكشف عن عمل من أعمال الفساد، و هي قد تعصف بمئات الإجراءات المتخذة و تنسينا في الكثير من الدروس و المواعظ، و تنبئ بفشل أكيد لسياسة مكافحة الفساد.

و لقد صدق الفاروق عمر بن الخطاب و من بعده عثمان بن عفان رضي الله عنهما حين قالا "إن الله يزع بالسلطان ما لا يزع بالقرآن".

فالقوانين و التنظيمات و الإجراءات و مدونات أخلاقيات المهنة المكتوبة، لا تكفي لردع التعدي على المال العام، و لكن إنزال سيف القانون أي العقوبة على المفسد و بالشدة التي يستحقها، لكفيل بخلق ثقافة مرجعية (culture de référence) ، لدى الأشخاص و الأعوان العموميين فيحجموا عن المتاجرة بوظائفهم، لما يرونه من سطوة القانون و رجاله.

فالسيف أصدق إنباء من الكتب في حدّه الحدّ بين الجدّ و اللعب

و من الضروري أن نشير هنا إلى أمر جد مُهم ، ألا و هو ضرورة تحمّل الإدارة لواجبها في تحييد العون العمومي المتورّط في قضية فساد، و ذلك عن طريق إعفائه من منصبه أو وظيفته العليا، و عدم التذرّع بالقضاء الذي قد يأخذ سنين عديدة قبل أن يصدر حُكمه أو قراره.

فلا يجب أن ننسى أن التعيين في المناصب و الوظائف يخضع للسلطة التقديرية للإدارة، و بالتالي فإنّ الإعفاء يتم بنفس الطريقة، فالمنصب لا يعد حقا مكتسبا لا رجعة فيه، و على كل حال فإنه من حق الإدارة بل و من واجبها أن تبحث عن أحسن شخص يمثّلها.

و في هذا الإطار، نشير إلى أنه و لاجتناب مماطلة الإدارة حتى لا نقول التواطؤ، فإن المرسوم الرئاسي رقم 11-426 المؤرخ في 8 ديسمبر 2011 ، المحدّد لتشكيلة الديوان المركزي لقمع الفساد و تنظيمه و كيفيات سيره، قد أقرَّ إجراء استعجالي يُمثل خطوة جريئة في مجال مكافحة الفساد، حيث نصت المادة 22 منه على ما يلي:

" يمكن للديوان، بعد إعلام وكيل الجمهورية المختص بذلك مسبقا، أن يوصي السلطة السلمية باتخاذ كل إجراء إداري تحفظي عندما يكون عون عمومي موضع شبهة في وقائع تتعلق بالفساد".

و من جهة أخرى، نرى أنه يجب أن تمسّ العقوبة محل الجرم إن تعلق الأمر بقرار غير قانوني اتخذه الموظف غير المؤتمن لصالح شخص أو أشخاص، مما يستوجب إلغاء القرار إداريا فور اكتشافه متى أمكن ذلك.

و بهذه الطريقة، فإنّ الإدارة تتحمَّل مسؤوليتها في المكافحة الفعلية و الفعّالة للفساد، و برأيي فإنها الأقدر في القيام بذلك من أي جهاز آخر للدولة، فهي في الكثير من الأحيان تُعدُّ المرتع الخصب لتفشي آفة الفساد، فلِم لا تُصبح العدو الأول له.

و في الأخير فإنّ الملجأ الفصل يبقى القضاء، حيث يجب أن تتم متابعة كل من ثبت تورطه في قضية فساد أمام العدالة، ضمانا لحماية المجتمع و لأموال الشعب من النهب و تكريسا لمبادئ المساواة بين المواطنين و حياد الإدارة و سمو القانون.

contact-ar